بقلم: عبد العالي مجذوب
عندي في بداية هذه المقالة كلمةٌ قصيرة، كان ينبغي قولُها في بداية المقالة السابقة، تتعلق بما يمكن أن يفهمه بعضُ القراء من مبادرتي إلى مناقشة الدكتور محمد ضريف وانتقاد بعض آرائه. إن وصفي لبعض آراء الأستاذ ضريف، في شأن مواقف جماعة العدل والإحسان من نظام الحكم في المغرب، ومن العمل الحزبي، ومن الانتخابات، بأنها آراء "شاذة" و"غريبة"- وما زلت هنا متشبثا بهذا الوصف- لم أقصد به أي شكل من أشكال التنقيص والتجريح في حق الأستاذ ضريف، الذي أعرفه شخصيا، وأكنّ له تقديرا واحتراما كبيرين، وأقدّر إيجابيا جهوده العلمية الموضوعية المنصفة، بالمقارنة إلى باحثين آخرين على الأقل، وخاصة في موضوع الحركات الإسلامية المغربية، وجماعة العدل والإحسان بصفة أخص. وللتوضيح أقول إنني حينما أصف بعض آراء الأستاذ ضريف بأنها "شاذة"، فإني أقصد المفهوم العلمي "الاصطلاحي" للشذوذ، أي أنها آراء تخالف ما هو "مشهور" و"معروف" و"كثير التداول"؛ وفي لسان العرب: "شَذَّ عنه يَشِذُّ ويَشُذُّ شذوذاً انفرد عن الجمهور وندَر فهو شاذّ" وسمى أَهلُ النحو "ما فارق ما عليه بقيةُ بابه وانفردَ عن ذلك " إِلى غيره شاذّاً. وفي "مقاييس اللغة" لابن فارس: الشين والذال يدلُّ على الانفراد والمفارَقة… وشُذَّاذُ الناس: الذين يكونون في القوم وليسوا من قبائلهم ولا مَنَازِلهم وواضح من الأصل اللغوي أن مفهوم الشذوذ لا ينفك عن معاني الندرة والانفراد والغرابة ومفارقة المشهور، وهذا ما قصدته.
وإن ظني بالأستاذ ضريف أن الرجل أكبرُ من أن يَفهم من كلامي معنى قدحيا في حقه، بل إنه يعلم، ولا شك، أني ممن يعدّونه، بلا مبالغة، الباحثَ المغربي المتخصص "الحقيقي" في شؤون الحركات الإسلامية، بعد أن كثر المدّعون والمنتحلون لصفة البحث والتخصص زورا وبغير مؤهلات.
وفضلا عن هذا، هناك المنحى العلمي في أبحاث الدكتور ضريف، الذي يغلب عليه الموضوعية والاتزان، ويطبعه سعةُ الاطلاع وغزارة المعلومات والتوثيق وضبطُ المصادر والتواريخ، والذي يمتاز أيضا، في معظم أحكامه واستنتاجاته، من بين ما يمتاز به، بالاعتدال والعدل والإنصاف.
أما عن موضوع جماعة العدل والإحسان، فالحق أن الأستاذ ضريفا كان من السّباقين إلى إفراده بكتاب كامل من كتبه التي ما يزال أمثالي من المهتمين والباحثين يستفيدون منها كثيرا، منهجا ومضمونا.
إذن، فانتقادي لبعض أفكار الدكتور ضريف، ووصفي لبعض آرائه بأنه "شاذ" و"غريب"، لا ينتقص من قدر الأستاذ الباحث، ولا من قيمة أبحاثه العلمية، ولا مما للرجل عندي من المكانة والتقدير. ولقد عبرت عن هذا في أكثر من مناسبة، ولعلي هنا بحاجة إلى تأكيده، بل إني نوهت بالرجل وبمزاياه العلمية وبموضوعيته ونزاهته وهو حاضر بجانبي يسمع، في مناسبات جمعتني معه في بعض الندوات، فضلا عن إشاراتي المتعددة إلى اسمه في بعض كتاباتي، في سياق المدح والإشادة بخصاله العلمية المتميزة.
وبعد، فإني أعتذر، مسبقا، إن حمّل بعضُ الناس كلماتي ما لا تحتمل وما لا أقصده، وتحية متجَدِّدة مفعمة بكل معاني التقدير والاحترام إلى الأستاذ الدكتور محمد ضريف، وإلى مجهوداته العلمية الغنية.
وأدخل الآن إلى صلب المقالة.
من آراء الدكتور محمد ضريف، التي تتكرر كثيرا في الحوارات والتصريحات التي يدلي بها للصحافة، أن جماعة العدل والإحسان ترغب اليوم، وأكثر من أي وقت مضى، في الانخراط في العمل السياسي القانوني، والمشاركة في اللعبة الديمقراطية حسب القواعد المقررة في ظل النظام الملكي الماسك بكل خيوط هذه اللعبة. فالجماعة، حسب الأستاذ ضريف، وكما رأينا في المقالة الأولى من هذه السلسلة، ليس لها اليوم أي مشكل تجاه شرعية النظام القائم، وإنما مشكلتها مع السياسات التي يتبعها هذا النظام.
إن الإشارات التي ترسلها الجماعة، منذ مدّة، وخاصة من خلال دائرتها السياسية، لا تفتأ تؤكد- حسب الدكتور ضريف- التطورات الحاصلة في مواقف الجماعة السياسية، ومنها موقفُها من المشاركة في الانتخابات، الذي أصبح يمتاز بكثير من الليونة والاعتدال، بل إن الجماعة لا ترفض هذه المشاركة مبدئيا، وإنما تربطها بتخفيف القبضة المخزنية على الحياة السياسية، وإجراء بعض الترميمات في هذه الفصل أو ذاك من الدستور، وتحقيق بعض التعديلات والتحسينات في القوانين التي لها علاقة باللعبة الديمقراطية، كقانون الأحزاب، وميثاق الجماعات المحلية، ومدونة الانتخابات، وقانون الصحافة.
فمثلا، في حوار مع صحيفة "التجديد"، نُشر بتاريخ 17/03/2008، يرى الأستاذ ضريف أن مساحة الخلاف بين الدولة وجماعة العدل والإحسان قد ضاقت، وأن هذا الخلاف الآن بين الدولة والجماعة ليس خلافا جوهريا، وأن الجماعة لا ترفض الدستور القائم رفضا مطلقا، وأنها، أي الجماعة، تسعى من أجل تأسيس حزب سياسي مرتبط بها… إلى آخر ما قال.
وإني لأتخيل الأستاذ ضريفا، وأنا أقرأ آراءه هذه، قد اخترع لنفسه منطقا، فجعل يتصور معه، أي مع هذا المنطق المخترع، جماعةَ العدل والإحسان على أنها كسائر التنظيمات السياسية التي سبقتها في الاعتراض على شرعية النظام الملكي، بدأت متشددة ومتطرفة في مبادئها واختياراتها وأهدافها، لكنها، وبفعل القانون السوسيولوجي- دائما حسب رؤية الأستاذ ضريف- انتهت إلى الاعتدال في المطالب والمواقف، والواقعية السياسية في النظر إلى نظام الحكم وما يتعلق به من شؤون الدولة.
فجماعة العدل والإحسان اليوم، بمواقفها واجتهاداتها وتطلعاتها وأهدافها، هي غير جماعة العدل والإحسان في بدايات تكونها وتأسيسها، ولهذا لا ينبغي النظر إلى مواقفها وتقويم تحركاتها بميزان أدبياتها في الماضي، لأن الجماعة قد تجاوزت الكثير من هذه الأدبيات على مستويي الهيكل التنظيمي والاختيار السياسي.
وقد ذهب الأستاذ ضريف، على ضوء هذا المنطق الذي حبس فيه نفسَه، إلى تفسير ميلاد (الدائرة السياسية) داخل جماعة العدل والإحسان سنة 1998، بأنه كان إعلانا عن تطور أساس في مسار الجماعة السياسي، لأن هذا الميلاد يعني أن الجماعة بصدد الإعداد لتأسيس حزب سياسي يتحمل أعباء تطبيق برنامج الجماعة السياسي، وذلك بالانخراط في اللعبة الديمقراطية، والمشاركة في الانتخابات.
وفي ضوء هذا المنطق دائما، لا نُفاجأ حينما يُعلق الأستاذ ضريف، في حوار له مع صحيفة "الأحداث المغربية"، مثلا، على وثيقة "جميعا من أجل الخلاص"، الصادرة عن الدورة الثانية عشرة للمجلس القطري للدائرة السياسية، في دجنبر2007، بأنها تمثل الجزء الأول من البرنامج السياسي الذي تعكف الدائرة السياسية على إعداده تنفيذا للمقرر المتعلق بالمخطط الثلاثي(2005-2008)، الذي نُوقش وأُقرّ في الدورة العاشرة للمجلس القطري للدائرة السياسية، في نونبر2005.
ولا أُخفي هنا أنني حينما أستعرض هذه الآراء التي كوّنها الأستاذ ضريف لنفسه عن جماعة العدل والإحسان، وبالتحديد عن تطور منهاجها السياسي، وأُمعنُ التأمل فيها وفي اللّحام الفكري والسياسي التي يربط بعضها ببعض، ينتابني شعور قوي بأنني بإزاء "اجتهاد" من الدكتور ضريف يقدّم لنا جماعة "جديدة" تختلف كليا، في منهاجها السياسي، عن جماعة العدل والإحسان التي يعرفها الناس في الواقع، بث
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ